النفط والطموح… ومنطقة لا تتوقف عن المفاجأة
حين تسأل أي شخص عن أغنى الدول العربية، سيشير على الأرجح نحو الخليج. والحقيقة؟ هو ليس مخطئاً تماماً. لكن هذه الإجابة تتجاوز شيئاً بالغ الأهمية – لأن العالم العربي ليس قصة واحدة. بل هو اثنتان وعشرون قصة مختلفة.
من شواطئ المغرب على المحيط الأطلسي إلى ضفاف الخليج العربي، تمتد المنطقة لتضم أكثر من 450 مليون نسمة، وعشرات العملات، وأوضاعاً اقتصادية لا يجمع بينها سوى الاسم.
نصيب الفرد من الناتج المحلي في قطر يتجاوز 112,000 دولار (بتعادل القوة الشرائية)، بينما لا يتعدى في اليمن 2,500 دولار. نفس “المنطقة”، عالمان لا يكاد يلتقيان.
ما يجعل عام 2026 مثيراً للاهتمام هو أن المعادلة القديمة – نفط في الأرض يساوي ثروة في البنك – باتت تتشقق بوضوح. بعض دول الخليج تتنوع اقتصادياً بوتيرة فاقت كل التوقعات. وأخرى تراوح مكانها. وثمة دول بلا نفط تكاد تتفوق على جيرانها النفطيين في مؤشرات أكثر أهمية. إذن، من يتصدر الترتيب الآن، وما الذي يحرّكه؟
قطر: الأغنى على الورق… لكن الأمر أعقد من ذلك
من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (بتعادل القوة الشرائية)، قطر في المقدمة – ليس عربياً فحسب، بل عالمياً. نحو 112,800 دولار للفرد في 2026، رقم يضعها في مصافّ لوكسمبورغ وسنغافورة. لدولة لا يتجاوز عدد سكانها 3 ملايين نسمة – معظمهم عمالة وافدة – هذا رقم يستوقف.
المحرك الأساسي هو الغاز الطبيعي المسال. تمتلك قطر ثالث أكبر احتياطيات غاز مثبتة في العالم، وحوّلت شركة قطر للطاقة هذه الاحتياطيات إلى عائدات تصديرية ضخمة على مدى عقود. صندوق الثروة السيادي، جهاز قطر للاستثمار، يدير اليوم أصولاً تتجاوز 450 مليار دولار، تمتد من الأندية الأوروبية الكبرى إلى المحافظ العقارية حول العالم.
غير أن ثمة تفصيلاً مهماً. تقرير أممي صادر عن الإسكوا عام 2025 كشف أن قطر لا تحتل سوى المرتبة الثالثة في مستوى الرفاه المعيشي الفعلي بين الدول العربية، رغم تصدرها في نصيب الفرد. السبب ليس لغزاً – فنصيب الفرد يوزّع الثروة على الجميع، بما فيهم مئات الآلاف من العمال الوافدين الذين تختلف أجورهم وظروفهم اختلافاً جوهرياً عن المواطنين القطريين. الرقم حقيقي، لكن ما يعكسه أكثر تعقيداً.
الإمارات: النموذج الذي باتت الجميع تستنسخه
تحتل الإمارات المرتبة الثانية عربياً في نصيب الفرد – نحو 82,000 دولار (بتعادل القوة الشرائية) – لكنها ربما تحمل القصة الأكثر إثارة من الناحية العملية. توقعات رويترز أشارت إلى نمو اقتصادي بلغ 4.9% في 2025، مدفوعاً بالنفط وبكل شيء آخر أيضاً.
السياحة، والطيران، والخدمات المالية، والتقنية، والعقارات – الإمارات، ودبي تحديداً، أمضت عقدين في بناء منظومة اقتصادية لا تحتاج إلى برميل نفط واحد كي تدور. المناطق الحرة تستقطب الشركات متعددة الجنسيات. مراكز التقنية المالية تجذب الشركات الناشئة. وإرث معارض دولية تحوّل إلى أحياء أعمال دائمة. النتيجة؟ القطاعات غير النفطية باتت تمثل الغالبية العظمى من الناتج السنوي.
التقرير الأممي ذاته صنّف الإمارات الأولى عربياً في مستوى الرفاه المعيشي الفعلي – والـ 24 عالمياً. الفجوة بين قطر (الأغنى على الورق) والإمارات (الأغنى في الواقع المعاش) تقول شيئاً مهماً جداً عن الفرق بين قياس الثروة الوطنية وما تعنيه فعلاً على أرض الواقع.
السعودية: تحوّل بـ 1.3 تريليون دولار لم يتوقعه أحد بهذه السرعة
يبلغ إجمالي الناتج المحلي الاسمي للمملكة العربية السعودية نحو 1.3 تريليون دولار، مما يجعلها بلا منازع أكبر اقتصاد عربي من حيث الحجم الكلي – التاسع عشر عالمياً، متقدمةً على كل دولة عربية أخرى بفارق واسع. نصيب الفرد أكثر تواضعاً (نحو 32,000 دولار اسمياً، و59,000 بتعادل القوة الشرائية)، وهو انعكاس طبيعي لعدد سكان يتجاوز 35 مليون نسمة.
لكن العنوان الحقيقي في 2026 ليس الحجم – بل الاتجاه. حين نستعرض مكانة المملكة ضمن قائمة أغنى دولة في العالم بالترتيب، نجدها لا تظهر كدولة نفطية تعيش على مورد وحيد، بل كاقتصاد يُعيد هيكلة نفسه بجدية. رؤية 2030 التي أُطلقت عام 2016 وسط كثير من التشكيك، تكشف بعد عشر سنوات أن المشككين مدينون باعتراف.
الأرقام تتحدث عن نفسها:
- القطاع غير النفطي يمثل نحو 76% من إجمالي الناتج المحلي – وفق إعادة حساب صندوق النقد الدولي
- نمو الاقتصاد 4.5% في 2025، والقطاع غير النفطي 4.9%
- السياحة سجّلت 116 مليون زيارة في 2024، منها 30 مليون زيارة أجنبية تسهم بـ 4.7% من الناتج المحلي
- صندوق الاستثمارات العامة تجاوز 941 مليار دولار في الأصول بنهاية 2024، في طريقه نحو 2.67 تريليون بحلول 2030
“النمو غير النفطي لم يعد هدفاً في وثائق السياسات – بل أصبح واقعاً تُثبته الأرقام”، بحسب ما أفاد به الدكتور ناصر التميمي، الاقتصادي والمحلل المتخصص في شؤون المنطقة.
المملكة لن تصبح نسخة من الإمارات – فهي اقتصاد مختلف الحجم والطبيعة والديناميكيات الاجتماعية. لكن التحوّل حقيقي، وخطواته تتسارع.
الكويت والبحرين وعُمان: ثلاث قصص خليجية مختلفة
الكويت
نصيب الفرد نحو 52,000 دولار (بتعادل القوة الشرائية) – ثراء لا جدال فيه. لكن الكويت ظلت الأبطأ خليجياً في مسار التنويع الاقتصادي، وهو خيار لا ضرورة. سادس أكبر احتياطيات نفطية في العالم لا تترك ضغطاً كافياً للإصلاح. وصندوق الثروة السيادي – هيئة الاستثمار الكويتية، أحد أعرق صناديق الثروة السيادية في العالم – يدير ما يزيد على 800 مليار دولار. الوسادة المالية ضخمة جداً. الإلحاح للتغيير؟ أقل بكثير.
البحرين
البحرين واحدة من أكثر القصص الاقتصادية إثارة في المنطقة، وأقلها إنصافاً. القطاع غير النفطي يمثل 85.9% من الناتج المحلي الإجمالي – وهي النسبة الأعلى في الخليج بأسره. ليس لأن البحرين اختارت التنويع من منطلق الطموح، بل لأنها اضطرت إليه – فاحتياطياتها النفطية كانت دائماً محدودة. الخدمات المالية، وصناعة الألمنيوم، والسياحة – كل ذلك نما على مدى عقود لأنه لم يكن ثمة خيار آخر. ارتفع الناتج المحلي الحقيقي 3.3% على أساس سنوي في الربع الأول من 2024. التحديات قائمة، والدين العام مرتفع نسبياً مقارنة بالجيران – لكن مسيرة التنويع لا تحظى بالتقدير الكافي.
عُمان
ثابتة، متأنية، بعيدة عن الأضواء. رؤية عُمان 2040 تسير بخطوات ملموسة في اللوجستيات والتصنيع والسياحة. نصيب الفرد (بتعادل القوة الشرائية) يتراوح بين 32,000 و35,000 دولار. ليس الرقم اللافت كما في دول الجوار، لكن المسار مستقر والإدارة عموماً كفوءة.
مصر والعراق: الحجم الكبير ليس مرادفاً للثروة
هنا تصبح التصنيفات مربِكة حقاً. الناتج المحلي لمصر بتعادل القوة الشرائية يبلغ نحو 2.37 تريليون دولار – ما يجعلها تقنياً أكبر اقتصاد عربي، متقدمةً على السعودية بـ 2.23 تريليون. كثيرون يستغربون هذا.
لكن حين توزّع 2.37 تريليون على 105 ملايين نسمة، ينخفض نصيب الفرد إلى نحو 4,000 إلى 5,000 دولار اسمياً. هذه ليست دولة غنية – بل اقتصاد كبير يعاني ضغوطاً حادة، يمر بإصلاحات صندوق النقد الدولي، وعملة فقدت كثيراً من قيمتها، وتضخم ضرب القدرة الشرائية للأسر بشدة خلال 2024-2025. الحجم والرفاه رقمان مختلفان تماماً.
العراق يمتلك خامس أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، ومع ذلك يبقى من أكثر الاقتصادات الإقليمية اضطراباً – فجوات في البنية التحتية، وإشكاليات حوكمة، وتداعيات طويلة لصراعات متعاقبة. الثروة موجودة في باطن الأرض. تحويلها إلى رخاء يعم المجتمع مسألة مختلفة تماماً، وأصعب بكثير.
الفجوة الأكثر اتساعاً في المنطقة
توصيف الإسكوا لـ”التفاوت الكبير” في الاقتصاد العربي يبدو في الواقع أقل مما تستحقه الصورة الحقيقية. قطر بـ 112,000 دولار للفرد (بتعادل القوة الشرائية) واليمن بـ 2,500 دولار – دولتان في منطقة جغرافية واحدة، في القرن ذاته، في الجداول الإحصائية نفسها. الحرب في اليمن لم تُلحق معاناة إنسانية هائلة فحسب – بل دمّرت اقتصاداً بأكمله، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بينما على بعد ساعتين جواً تضخّ صناديق الثروة السيادية مليارات في بنوك أوروبية.
لبنان النموذج الآخر الصارخ. كان نصيب الفرد فيه نحو 19,500 دولار (بتعادل القوة الشرائية) – ليس ثراءً فاحشاً، لكنه اقتصاد يعمل. انهار القطاع المصرفي منذ 2019، وتبخّرت قيمة العملة بأكثر من 95%، وانخفض نصيب الفرد إلى نحو 11,600 دولار. انهيار شبه كامل لاقتصاد في أقل من خمس سنوات.
ما الذي يصنع هذا التفاوت فعلاً؟
خلف الرواية السطحية عن النفط، ثمة عوامل هيكلية حقيقية:
- كيفية إدارة الثروة السيادية – الدول التي استثمرت مبكراً ونوّعت محافظها (الإمارات والكويت وقطر) بنت وسادة حقيقية للمستقبل؛ من لم يفعل يجد نفسه اليوم في موقع أضعف بكثير
- جودة الحوكمة – نموذج البحرين كمركز مالي لا يصمد إلا بثقة الشركات الدولية في البيئة التنظيمية، وهي ثقة تُبنى بالوقت وتُهدم بسرعة
- معادلة السكان مقابل الموارد – نصيب الفرد في قطر مذهل جزئياً لأن 3 ملايين شخص يجلسون فوق احتياطيات غاز هائلة؛ رقم مصر المتواضع يعكس جزئياً توزيع موارد غير ضخمة على 105 ملايين
- هل انتقل التنويع من الخطاب إلى التطبيق – هذه الفجوة هي ما ميّز العقد الماضي، والدول التي أغلقتها تتقدم على من لم تفعل
أين يقف الاقتصاد العربي في 2026؟
نحو 5% من الناتج المحلي العالمي. تفاوت داخلي استثنائي. ثروة هيدروكربونية تُعاد استثمارها – أو لا. برامج إصلاح في مراحل متباينة من المصداقية.
عبارة “الخليج يساوي الثروة، وما عداه يساوي الفقر” كانت لها وجاهتها في وقت من الأوقات. اليوم، هي أقل دقة مما كانت عليه. الاقتصاد السعودي غير النفطي كبير فعلاً. الإمارات بنت شيئاً يصمد بدون نفط. البحرين نوّعت قبل أن يصبح ذلك موضة. والسؤال عن من يقود الاقتصاد العربي بحلول 2030 مفتوح بصورة لم يكن عليها قبل عشر سنوات.
لا شيء في هذه التصنيفات ثابت. كلها لقطات لواقع في حركة دائمة – بعضه يتسارع، وبعضه يأخذ اتجاهات لم يتوقعها أحد. وهذا بالضبط ما يجعل المنطقة اقتصادياً من أكثر المناطق جديرة بالمتابعة الآن.